سجين مصري منعه القاضي من التبول فمات بقفص الاتهام
على طريقة مشابهة لوفاة الرئيس الخامس لمصر الراحل محمد مرسي، 17 حزيران/يونيو 2019، إثر تعرضه لنوبة إغماء أثناء جلسة محاكمته، وسقوطه داخل قفص الاتهام بلا إنقاذ، توفي محتجز مصري مريض بـ"السكري" بمحكمة "جنح مستأنف المنتزه" بمحافظة الإسكندرية عقب رفض القاضي وحرس الجلسة من قوات الشرطة السماح له بالخروج من القفص للتبول.
وبحسب مركز "الشهاب لحقوق الإنسان"، فإن طلب المحتجز بقضاء حاجته نظرا لطبيعة مرضه المزمن، قوبل بالرفض القاطع وأُمر بإبقائه محتجزا داخل قفص الجلسة، مؤكدا أن المعاملة المهينة والتعنت تسببتا في تدهور حالته الصحية بسرعة داخل القفص حتى فارق الحياة، لاحقا.
وقال المركز إن الواقعة "تُبرز إهدارا كاملا لمعايير التعامل الإنساني مع المرضى والمحتجزين، وتحويل إجراءات المحاكمة إلى وسيلة للتنكيل والحرمان من أدنى الحقوق الآدمية"، بحسب المركز الحقوقي المصري.
تلك الواقعة فجرت جدلا واسعا، وانتقادات للتعامل الأمني الغليظ مع الجنائيين والسياسيين على حد سواء والذي انتقلت أساليبه إلى منصة القضاء بالمخالفة لكل القوانين والدساتير وقيم العدل والرحمة والإنسانية، بحسب مصريين غاضبين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبينهم المحامي مجدي حمدان، الذي كتب يقول عبر "فيسبوك": "الإنسان قبل المبنى"، مضيفا وأنتم تبنون مدينة العدالة -بالعاصمة الجديدة- "علموهم أولا أبسط مفاهيم العدل".
وتمثل تلك الانتهاكات مخالفة صريحة للمادة (18) من الدستور المصري الحالي (عام 2014) التي تؤكد على الحق في الصحة، والرعاية الصحية المتكاملة، وإقامة نظام تأمين صحي شامل، ما يشمل المسجونين من سياسيين وجنائيين.
يوم من جهنم
في حديث مسجون جنائي سابق أكد أن "يوم الترحيلة يوم من جهنم، خاصة لو صادف فصل الصيف، بسبب ما يتعرض له المسجونين من سوء معاملة، وقسوة تصل حد الإهانة والضرب والدفع والسب، بداية من الخروج من عنابر السجن وحتى الوصول لقاعة المحكمة والعودة للسجن مرة أخري، والذي يمثل حينها فرحة وكأنه قرار بالإفراج.
وبين أنه إلى جانب سوء المعاملة، أسوأ ما يواجهه السجين السيارات غير الآدمية خالية التهوية والتي يتم حشر المسجونين فيها حشرا كيوم القيامة، وبعدها نظل في القيود أغلب اليوم بلا طعام وشراب أو اشعال سيجارة أو كوب شاي، أو حتى فرصة لدخول الحمام، مؤكدا وقوع الكثير من الإغماءات لمسجونين داخل سيارة الترحيلات، دون اهتمام القوات المصاحبة للترحيلة.
وكشف حادث تعرضت له سيارة ترحيلات سجن "وادي النطرون" (تأهيل 10- سجن 1 القديم) في طريقها إلى محكمة "بدر"، 7 تموز/يوليو الماضي، عن حجم ما يتعرض له المسجونين والمعتقلين من إهمال طبي متعمد يعرض حياتهم للخطر.
في تلك الواقعة ووفق ما نقله الأهالي عن ذويهم، لم يتم إسعاف المعتقلين المصابين الذين تم إبقائهم داخل السيارة ذات الصندوق الحديدي ونقلهم للمحكمة دون فحص طبي رغم تعرضهم لكسور وإصابات بالغة، وبحسب مؤسسة "جوار"، استُدعت سيارة الإسعاف لنقل السائق والمرافق الأمني فقط للمستشفى.
منظومة سيئة
وأكد الحقوقي المصري محمد زارع، أنه "ليس هناك رصد لمثل تلك الحالات الإنسانية"، التي تتعرض لسوء معاملة قد تودي بالحياة أو تفاقم معاناة المحتجزين من سياسيين وجنائيين مع الأمراض المزمنة أو تتسبب في إصابتهم بها.
وفي رؤيته الحقوقية والقانونية، قال مدير المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، إن ما يتم في منظومة نقل المسجونين من أماكن الاحتجاز سواء السجون أو أقسام الشرطة إلى مقرات النيابة وقاعات المحاكم للتحقيق معهم للأسف الشديد يكشف عن وجود الكثير من المعاناة وسوء المنظومة.
وتحدث عن "الترحيلة"، التي تتم عبر سيارة ترحيلات تقوم بمأموريات نقل المسجونين حتى وضعهم بالحجز التابع للمحكمة أو النيابة حتى استدعائهم للجلسات.
وبين أن تلك الأماكن غالبا ليست مجهزة بشكل كامل، وعلى الأكثر تكون في بدروم مبنى المحكمة أو النيابة، وكل المطلوب فيها التأمين الأمني، وربما يكون بها دورة مياه أو لا، لتتم عمليات قضاء الحاجة بشكل غير مثالي كما هو معروف بأماكن الاحتجاز تلك، ولأن الأعداد تكون كبيرة وبعض المحتجزين مقيد بشكل دائم ولفك قيده الأمور تسير بشكل مهين.
وتابع موضحا حجم الأزمة التي يتعرض لها المحتجزين: بمجرد استدعاء المحتجز لقاعة المحكمة يتم وضعه في قفص الاتهام، وغالبا ما يجري هذا الاحتجاز قبل بداية رول القضايا وحتى نهاية محاكمات اليوم، ما يستمر فترات طويلة، ويضاعف أزمات المحتجزين من المرضى نتيجة عدم وجود فرصة لدخول الحمام والحصول على المياه والطعام.
ولفت إلى أن كل تلك الصعوبات لو صادفت مريض بمرض مزمن من الممكن أن تسبب له مشكلة صحية وتدهور بحالته، ولو احتاج رعاية طبية بسبب شيء طارئ يكون الأمر صعبا وليس سهلا، وللأسف بعض المحتجزين يسقطون نتيجة سوء تلك الأوضاع، وعدم القدرة على إسعافهم حال وجود أزمة صحية.
لينتصروا للإنسانية
ويرى زارع، أن المشكلة ليست في القاضي وحده، ولكن الأزمة في السيستم بالكامل؛ من بداية خروج المسجونين سياسيين وجنائيين عبر الترحيلة مع فترات انتظار طويلة لتجميع المسجونين من أكثر من سجن وترحيلهم لمحكمة واحدة يظلوا لفترات طويلة داخل السيارة، وبعد النزول قد لا يجدون مكانا مجهزا لقضاء حاجتهم، وبعد ذلك وقت المحاكمة في يوم طويل جدا صعب وقاسي ينتهي بإعادة شحنهم داخل السيارة لإعادتهم إلى محبسهم.
ودعا الحقوقي المصري السلطات إلى "المعاملة الإنسانية مع المسجونين"، مبينا أن "تلك الواقعة تدفعنا لكي لا تتكرر مثل تلك الحوادث"، مشيرا إلى مجزرة سيارة "ترحيلات أبوزعبل"، 18 آب/أغسطس 2013، عندما تذمر المسجونين من وضعهم بأعداد كبيرة في الحر الشديد، فألقى نائب مأمور قسم مصر الجديدة المقدم عمرو فاروق، عليهم قنابل دخان ليقتل 37 منهم حرقا، وتجري محاكمته ثم تبرئته، لاحقا.
وختم زارع، بالقول: هذا مسلسل بدأ منذ فترات طويلة ولم ينتهي بعد، والمشكلة مستمرة والجهات المختصة والمسؤولة لم تنتبه، وعليهم أن ينتصروا للإنسانية بغض النظر عن أن هذا المحتجز يحاكم في أية قضية فهذا موضوع آخر، لأنه وهو في قبضة العدالة لابد أن يعامل بما يحفظ عليه كرامته ولا يجوز إيذائه بدنيا ومعنويا، فهذا نص الدستور المصري.
نهج مستمر
وتسبق تلك الواقعة وبعيدا عن جرائم القتل تعذيبا داخل السجون ومراكز الاحتجاز المصرية فهناك الكثير من وقائع القتل بالإهمال الطبي المتعمد، ما تؤكده شكاوى أسر معتقلين، أكد بعضهم حرمان ذويهم من الحصول على الدواء، ومنعهم من إجراء الجراحات العاجلة داخل مستشفيات السجون أو على حسابهم الخاص، وترك كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة لتأكلهم الزنانين، وفق وصف البعض.
أحدث تلك الوقائع، 12 أيلول/سبتمبر الجاري، حيث أنه وإثر اعتقاله الشهر الماضي ضمن حملة أمنية موسعة ضد أقارب المعارضين في الخارج، توفي المعتقل تامر سعيد، زوج شقيقة البرلماني السابق طارق مرسي، داخل سجن "أبوزعبل 2"، الذي يتعرض المعتقلون فيه لأقسى أنواع التنكيل والإهمال بالمخالفة للقانون، بحسب شكاوى ورسائل مسربة نشرها حقوقيون.
وهي الواقعة التي سبقها بـ5 أيام وفاة اثنين من أقارب الإعلامي المعارض من الخارج محمد ناصر، خلال نحو أسبوعين، هما: المعتقل منذ 15 شباط/فبراير 2018، محمد علاء الدين عبدالعظيم، (64 عاما) شقيق ناصر داخل "سجن المنيا" شديد الحراسة 7 أيلول/سبتمبر الجاري.
وشقيق زوجة ناصر، أحمد السيد عبدالواحد، والمعتقل منذ 2019، داخل سجن بدر عن عمر 82 عاما، 27 آب/أغسطس الماضي، ما وصفه معارضون بأنه تنكيل متعمد وفجر في الخصومة وانتقام من المعارضين في أقاربهم.
وفجر نشر المصور المصري إبراهيم المصري، أرشيفا كاملا يوثق بالصور مجزرة فض اعتصام "رابعة العدوية"، و"النهضة"، وبينها مئات الجثامين المحترقة حالة من الغضب من جرائم النظام الحالي بحق العزل من المصريين، وبحق المعتقلين على خلفية الاعتصام السلمي لأنصار الرئيس محمد مرسي، والتي أصبحت لاحقا نهجا للشرطة المصرية وقوات الأمن بحق سياسيين وجنائيين مصريين، في وقائع موثقة حقوقيا.
وفي 18 حزيران/يوليو الجاري رصدت منظمة "هيومن رايتس إيجيبت"، نتيجة جرائم الأمن المصري بحق المعتقلين والمسجونين بالنصف الأول من العام الجاري، مشيرة لمقتل 12 شخصا على يد جهات أمنية، ووفاة 36 مصري بأماكن الاحتجاز المختلفة، منها 22 حالة بالسجون، و6 حالات بأقسام شرطة (العجوزة، و15 مايو، والشروق، والطالبية، وأوسيم.
كما وثقت المنظمة 38 حالة تعذيب، و90 حالة إهمال طبي متعمد شملت الحرمان من العلاج لأمراض خطيرة مثل السرطان، وأمراض القلب، والشلل، وضمور خلايا المخ، والفشل الكلوي، وارتشاح الرئة، والنوبات القلبية المتكررة.
دعوات دون استجابة
وتأتي تلك الوقائع بحق مسجونين ومعتقلين وسط انتقادات للملف الحقوقي المصري ودعوات حقوقيين وسياسيين لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي، بإطلاق سراح أكثر من 60 ألف معتقل سياسي لأكثر من 13 عاما، وهو ما قوبل من السلطات بتصعيد أمني جديد عبر حملة اعتقالات موسعة، طالت مئات المصريين.
وعقب إطلاق الإمارات، في 4 أيلول/سبتمبر الجاري، سراح الشاعر والناشط المصري عبدالرحمن يوسف بعد توقيف دام نحو عام ونصف، وخروج نجل الداعية الإسلامي الراحل عبر مقطع فيديو مصور يناشد فيه حكومات عربية بأن تفرج عن المعتقلين في سجونها، قائلا إن أعمار الناس أغلى وأثمن من أن تبدد في السجون والمعتقلات، تتابعت الدعوات للسيسي، وبينها للإعلامي المعارض نادر فتوح والتي جاءت بعنوان افعلها يا ريس.
لكنها المطالبات التي لم تلق ردا من السلطات المصرية، ما دفع حقوقيون للقول إنه برغم أن الظروف المحلية والإقليمية والدولية مهيأة لدفع السيسي، لقبول مثل هذه الدعوات، وأنه لن يتخلى عن إحدى أهم الأوراق التي يبتز بها أوروبا وأمريكا للحصول على الدعم والسياسي والمالي.
استهدافات جديدة
بل إنه وعلى العكس من ذلك فإن هناك تحولات أمنية واسعة من نظام السيسي بحق المعارضة المصرية، أكدها محامي مصري من حي حلوان الذي شهد توقيفات عديدة الفترة الأخيرة، إذ قال إن هناك قائمة قديمة لدى الأمن يقوم على أساسها باعتقال أقارب النشطاء.
وهو ما أكد عليه ضابط شرطة مصري موضحا أنه يجري استدعاء القائمة الأمنية السابقة الموجودة منذ عهد حسني مبارك وعقب 2011 والتي تم عملها إثر 2013 للأسر التي خرجت في تظاهرات عام 2013 و2014 و2015، متوقعا استمرار الحملة بصورة أكثر شراسة.
وكشف أن حملات التوقيف الأمنية الجديدة المتصاعدة منذ شهرين بحق أقارب معارضين ونشطاء الخارج، أغلبهم بلا نشاط سياسي، ولكن الدولة تريد الضغط على نشطاء الإنترنت لما يسببوه لها من صداع يومي، فكان الحل في اعتقال أقاربهم.
المعتقلون.. أغيثونا
وفي السياق، وجه آلاف المعتقلين السياسيين في السجون المصرية، نداء استغاثة إلى كل من ينادون بحقوق الإنسان، وإلى كل مسؤول داخل مصر وخارجها، وإلى كل الشعب المصري في الداخل والخارج تدعوهم بأن يتشبثوا بقضية المعتقلين والحديث عنها، وعمل كل الوسائل التي من شأنها الضغط على النظام المصري للإفراج عنهم.
تقول الاستغاثة التي وصل "عربي 21"، نسخة منها: نحن نعيش مأساة حقيقية في السجون المصرية مما يحدث لنا ولأسرنا، مشيرة إلى بعض الوقائع المؤسفة التي يعيشونها، مؤكدة أنه "تم إحالة أكثر من 15000 من المحبوسين احتياطيا إلى المحاكمة، وقد وصلت مدة حبس أكثرهم إلى 8 سنوات بالمخالفة للقانون.
وبينت الرسالة أن القضايا المحالين عليها ليس بها أحداث، أو أي دليل، أو أحراز. وما هي إلا عبارة عن محضر تحريات فقط، منسوخ في جميع القضايا طبق الأصل، والتهمة واحدة في جميع القضايا، وهي الانضمام إلى جماعة محظورة بدون أي دليل، وأحيانًا يضاف إليها تهمة التمويل، وأيضا بدون أي دليل سوى تحريات الأمن الوطني.
التعليقات
اضافة تعليق