ماذا بقي للصحافة المستقلة في تونس؟
أصبحت الشعارات التي تندد بالمساس بحرية الإعلام والصحافة وتطالب بإطلاق سراح الصحفيين في تونس تتكرر في كل وقفة، وأصبح الصحفيون التونسيون عاجزين عن عدّ وقفاتهم الاحتجاجية والتضامنية، في ظل إيقافات وتضييقات تحاصر عملهم، وانتهت بسجن عدد من زملائهم.
وصار المشهد يبدو واحدا وإن تغيرت الأسماء والقضايا: صحفيون في الشارع يحتجون، وآخرون خلف القضبان، ومطالب تتجدد بالدفاع عن حرية الصحافة.
وبينما تتسع دائرة القضايا والإجراءات التي تمسّ الصحفيين، لم تعد صعوبة المشهد مرتبطة فقط بما ينشره الصحفي، وإنما أيضا بالظروف التي يعمل فيها، وقدرته على الوصول إلى المعلومة، والتصوير في الميدان، والعمل داخل مؤسسة إعلامية قادرة على الاستمرار.
ضغوط وتهم ثقيلة
في تونس، لم تعد الضغوط التي تواجه الصحافة تقتصر على ملاحقة صحفي بسبب ما يكتب أو ينشر، بل اتسعت لتشمل البيئة التي تُنتج فيها الصحافة، من المؤسسات الإعلامية إلى بعض الجمعيات التي تقف وراء وسائل إعلام مستقلة، في وقت أصبحت فيه تهم من قبيل الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال والتمويل الأجنبي حاضرة في عدد من الملفات القضائية والإدارية.
وكانت تونس قد تراجعت إلى المرتبة 137 من أصل 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026، بعدما كانت في المرتبة 129 عام 2025، بالإضافة إلى استمرار الضغوط السياسية والقانونية والاقتصادية على وسائل الإعلام، وفق منظمة مراسلون بلا حدود.
ويبرز ملف الصحفي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع "الكتيبة"، باعتباره أحدث حلقات هذا المسار. فقد أوقف في الرابع من سبتمبر/أيلول الجاري أثناء توجهه إلى إذاعة "إكسبراس أف أم" للمشاركة في برنامج مباشر، ووجهت إليه تهم تتعلق بالإثراء غير المشروع وتبييض الأموال. وتقول نقابة الصحفيين إن ملاحقة اليوسفي مرتبطة بعمله الصحفي، في حين تؤكد السلطات أن القضاء يتحرك وفق القانون.
ويقول نقيب الصحفيين التونسيين زياد الدبار، للجزيرة نت، إن ما يواجهه الصحفيون اليوم يمثل "انقضاضا وهجمة" عليهم، معتبرا أن ما يحدث "غير مسبوق في تونس وفي المنطقة". ويضيف أن الاعتقالات ليست سوى جانب من الضغوط التي تمتد أيضا إلى حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تستهدف الصحفيين وعائلاتهم.
ويرى الدبار أن تهمة "الإثراء غير المشروع" المرتبطة بالتمويل أصبحت "عنوان المرحلة"، في وقت يمكن فيه، وفق تعبيره، أن يجد أي صحفي نفسه في السجن بسبب منشور.
بين مرسومين
منذ صدور المرسوم 54 في سبتمبر/أيلول 2022، المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، أصبح أحد أبرز مصادر القلق لدى الصحفيين، إذ يفرض عقوبات تصل إلى 5 سنوات سجنا على نشر ما يعتبره القانون أخبارا أو إشاعات كاذبة عبر شبكات وأنظمة المعلومات، وترتفع إلى 10 سنوات إذا استهدف النشر موظفا عموميا. وقد استُخدم المرسوم في قضايا عدة ضد صحفيين وشخصيات إعلامية.
وتقول نقابة الصحفيين إن قضايا النشر الصحفي يجب أن تخضع للمرسوم 115 المنظم للصحافة والطباعة والنشر، لا للمرسوم 54، وطالبت بتعديله. وفي مارس/آذار 2026 ناقشت لجنة التشريع العام في البرلمان مقترح قانون يتعلق بتعديل المرسوم، لكن الجدل بشأنه لم ينته.
ويعود المرسوم 115 إلى 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وشكّل الإطار القانوني المرجعي لحرية التعبير والنشر بعد الثورة، إذ أقر نظام التصريح لإصدار الصحف بدل الترخيص المسبق، ومنع الرقابة على المطبوعات، وضمن حماية واسعة للصحفيين، بينها حظر التنصت والتفتيش والاستجواب بسبب آرائهم، وسرية مصادرهم.
كما ألغى العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، واستعاض عنها بالغرامات وحق الرد والتصحيح، ليصبح مكسبا حقوقيا محوريا لدعم استقلالية الإعلام التونسي ومهنيته.
وينص دستور 2022، في الفصلين 37 و38، على حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، فضلا عن الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة، لكن منظمات مهنية وحقوقية ترى فجوة متزايدة بين هذه الضمانات والممارسة على أرض الواقع.
مراقبة مؤسسات منتجة
ولا تقف الضغوط عند ملاحقة الصحفيين، بل تمتد إلى بعض الجمعيات التي تقف وراء وسائل إعلام مستقلة وتوفر لها الإطار القانوني والمؤسساتي.
ومن أبرز الأمثلة جمعية "الخط"، الناشرة لموقع "إنكفاضة"، التي واجهت منذ 2025 إجراءات مرتبطة بملفها المالي، بينها تعليق نشاطها لمدة شهر، قبل أن تواجه لاحقا إجراءات تتعلق بحلها. كما سبق أن تعرضت جمعية "نواة"، التي تقف وراء موقع "نواة"، للتعليق لمدة شهر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد تحقيق إداري ومالي استمر أكثر من عام.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع من التشدد في مراقبة التمويل الأجنبي للجمعيات، لكن خصوصية هذه الحالات تكمن في أن الجمعيات المعنية تقف وراء مؤسسات ومنصات إعلامية تنتج الصحافة المستقلة.
وترى منظمات حقوقية أن هذه الإجراءات تضغط على المؤسسات الإعلامية المرتبطة بهذه الجمعيات، بينما تؤكد السلطات أن مراقبة التمويل والتثبت من مصادر الأموال يندرجان ضمن تطبيق القانون.
وبذلك لا يصبح الضغط مقتصرا على الصحفي الذي يكتب أو يصور، بل يمكن أن يصل إلى المؤسسة التي توفر له المنصة والإطار القانوني والموارد اللازمة لممارسة عمله.
صحافة ميدانية بقيود متزايدة
يواجه الصحفيون أيضا عراقيل في الوصول إلى المعلومات والعمل الميداني. وتحدثت منظمة مراسلون بلا حدود في يوليو/تموز 2026 عن تأخر اعتماد عدد من المراسلين الأجانب لأشهر، ومشاكل مرتبطة بتراخيص التصوير والإقامة، إضافة إلى حالات منع من التصوير والاستجواب بسبب العمل الصحفي.
وتقول المنظمة إن بعض المراسلين أصبحوا يترددون في حمل معدات التصوير إلى الشارع خشية مصادرتها، وقد تحولت تراخيص التصوير إلى عقبة أمام إنجاز تقارير ميدانية.
كما تأخر إصدار بطاقات الصحفيين المهنيين لفترة طويلة. وفي يونيو/حزيران 2026 أعلنت اللجنة المستقلة للبطاقة المهنية بدء توزيع بطاقات 2025-2026، بعد تأخير قالت نقابة الصحفيين إنه أضر بالحقوق المهنية للصحفيين.
وتضاف إلى ذلك صعوبات النفاذ إلى المعلومات، وهي مشكلة رصدتها نقابة الصحفيين في تقاريرها، إلى جانب منع صحفيين من أداء عملهم وإخضاعهم لإجراءات لا تنص عليها القوانين المنظمة للمهنة.
أزمة اقتصادية أيضا
مع كل ذلك، يعيش قطاع الإعلام التونسي أزمة اقتصادية هيكلية أعادت رسم ملامح المشهد الإعلامي الذي تشكل بعد الثورة، مع اختفاء مؤسسات وتراجع أخرى وتوقف برامج كانت تحظى بمتابعة واسعة.
وتشير هياكل المهنة إلى هشاشة النماذج الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، وتراجع موارد الإعلان، وضعف السياسات العمومية الداعمة لاستدامة الإعلام، إضافة إلى المنافسة التي فرضتها شبكات التواصل الاجتماعي.
أما الإعلام العمومي، فيبقى معتمدا بدرجة كبيرة على التمويل الحكومي. ووفق معطيات ميزانية 2024، خصصت الدولة نحو 36.6 مليون دينار للإذاعة التونسية (الدولار يساوي 2.92 دينار تونسي)، و37.4 مليون دينار للتلفزة التونسية، وأكثر من 10 ملايين دينار لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، ضمن اعتمادات موجهة للإعلام والاتصال والتكوين.
وكان الرئيس التونسي قيس سعيّد قد قال خلال اجتماع مع مسؤولي المؤسسات الإعلامية العمومية في فبراير/شباط 2025 إن الإعلام العمومي يجب أن يكون صوتا حرا يعكس مشاغل المواطنين، وليس دعاية لأي طرف، مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة إنقاذ مؤسسات إعلامية عمومية مثل "لابرس" و"الصباح".
دائرة الضرر
وتكشف قضايا الصحفيين الموقوفين الجانب الإنساني من هذه الأزمة. ففي يناير/كانون الثاني 2026، صدر حكم بالسجن ثلاث سنوات ونصف على الصحفيين مراد الزغيدي وبرهان بسيس في قضية تتعلق بتبييض الأموال ومخالفات جبائية، بعد أن كانا قد قضيا سابقا أحكاما في قضية أخرى مرتبطة بالمرسوم 54.
ويقول عضو هيئة الدفاع فتحي الربيعي -للجزيرة نت- إن الأحكام "كانت في غير طريقها"، وإن المحكمة الابتدائية حرفت الوقائع، معربا عن أمله أن تنصف محكمة التعقيب المتهمين.
أما نجمة الزغيدي (وهي من أقرباء الصحفي مراد الزغيدي)، فتصف -في حديثها للجزيرة نت- معاناة عائلة الصحفي الموقوف بأنها تتجاوز السجن نفسه. تقول إن توفير "القفة" والتنقل إلى السجن أصبحا عبئا، وإن وجود سجين من العائلة يعني أن العائلة بأكملها تعاني.
بالنسبة إليها، فإن أكثر ما يؤلم هو الشعور بالظلم والقهر، وتتساءل عن سبب توقيف صحفي بسبب قيامه بعمله، محذرة من أن آثار هذه التجربة لا تتوقف عند الجيل الحالي، بل يمكن أن تمتد إلى الأجيال المقبلة.
صحافة تحت الاختبار
بين الملاحقات القضائية، والمرسوم 54، والتدقيق المالي، وتعقيدات التمويل، وصعوبة التصوير والنفاذ إلى المعلومات، وتأخر صدور البطاقات المهنية، والأزمة الاقتصادية، تبدو أزمة الإعلام التونسي اليوم أوسع من قضية صحفي داخل قاعة محكمة.
فالمسألة تتعلق بالبيئة التي تُنتج فيها الصحافة نفسها: قدرة الصحفي على الوصول إلى المعلومة، والتحرك في الميدان، والحصول على تمويل مشروع، والعمل داخل مؤسسة قادرة على الاستمرار، ثم نشر ما توصل إليه دون أن يتحول التقرير أو المنشور إلى مدخل لملاحقة قضائية.
ويرى زياد الدبار، في حديثه للجزيرة نت، أن الصحافة التونسية مرت بمراحل أكثر صعوبة، وأن القطاع تمكن في كل مرة من تجاوزها، مؤكدا أن المعركة الحالية ليست فقط من أجل الصحفيين، وإنما من أجل حرية الصحافة والحريات العامة.
لكن انتقال الضغط من الصحفي الفرد إلى المؤسسات والجمعيات التي تنتج الصحافة أو توفر لها إطارها القانوني يجعل الاختبار هذه المرة أوسع: ليس فقط هل يستطيع الصحفي أن يكتب، وإنما هل تبقى هناك مؤسسات قادرة على إنتاج الصحافة المستقلة وتمويلها ونشرها؟
التعليقات
اضافة تعليق