اعتقالات تطال دعاة مقاطعة الانتخابات في المغرب
أدان حزب النهج الديمقراطي العمالي المغربي ما وصفه بـ"حملات الاعتقالات والتوقيفات والتضييق" التي قال إن مناضليه يتعرضون لها على خلفية دعوته إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر/أيلول الجاري، متهماً السلطات أيضاً بحرمانه من الإعلام العمومي.
وقال الحزب، في بلاغ صادر عن مكتبه السياسي، إن حملته لمقاطعة الانتخابات ستتواصل رغم ما وصفه بالتضييق، معتبراً أن الانتخابات المقبلة لا تتوفر، من وجهة نظره، على شروط الديمقراطية والنزاهة. وكان الحزب قد أعلن رسمياً في حزيران/يونيو الماضي قراره مقاطعة الاستحقاق التشريعي، مستنداً إلى ما قال إنها اختلالات سياسية ودستورية وغياب ضمانات كافية للحريات العامة والإعلامية.
ووصف "النهج" الانتخابات بأنها "مسرحية"، وربط موقفه أيضاً بما اعتبره تراجعاً في التسجيل في اللوائح الانتخابية، ولا سيما بين الشباب. وقال إن الفئة العمرية بين 18 و24 سنة لا تتجاوز نحو 4% من المسجلين، معتبراً ذلك مؤشراً على اتساع العزوف عن العملية الانتخابية.
ويأتي موقف الحزب قبل أيام قليلة من الاقتراع، في وقت دخلت فيه الحملة الانتخابية مرحلتها الأخيرة، وسط تنافس الأحزاب المشاركة على مقاعد مجلس النواب.
توقيفات خلال حملة المقاطعة
وقال النهج الديمقراطي العمالي إن مناضليه تعرضوا لأشكال مختلفة من التضييق خلال الحملة الداعية إلى المقاطعة. وفي بيان سابق نشره الحزب في 11 شتنبر/أيلول، قال إن أعضاءه تعرضوا في حي البرنوصي بالدار البيضاء للدفع والاستفزاز وسلب المنشورات ومنعهم من التواصل مع المواطنين، متهماً عناصر من السلطة والأمن بالوقوف وراء ذلك.
كما أثارت توقيفات طالت أعضاء في الحزب خلال الحملة نقاشاً حول حدود التعامل مع الدعوات السياسية إلى مقاطعة الانتخابات، خصوصاً أن موقف الحزب معلن ومعلن عنه باعتباره جزءاً من نشاطه السياسي خلال الحملة الانتخابية.
ولم يكتف الحزب بالاحتجاج على ما يقول إنه تضييق على حملته، بل ربط موقفه الانتخابي بسياق سياسي أوسع، منتقداً استمرار اعتقال ومحاكمة نشطاء ومعارضين. وطالب بالإفراج عن معتقلي حراك الريف و"جيل زد" وجميع من يعتبرهم معتقلين سياسيين، وإسقاط المتابعات القضائية في حقهم.
من هو حزب النهج الديمقراطي العمالي؟
يُعد النهج الديمقراطي العمالي من أبرز مكونات اليسار المغربي الراديكالي. وتعود جذوره السياسية إلى تنظيم "النهج الديمقراطي"، الذي تأسس في سياق استمرار إرث الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، قبل أن يعلن مؤتمره الوطني الخامس، المنعقد في تموز/يوليو 2022، تحويل التنظيم إلى حزب سياسي تحت اسم حزب النهج الديمقراطي العمالي.
ويقدم الحزب نفسه باعتباره حزباً مستقلاً للطبقة العاملة وعموم الكادحين، ويتبنى المرجعية الماركسية ـ اللينينية، مع طرح سياسي يقوم على بناء حزب للطبقة العاملة وجبهة شعبية للتغيير الديمقراطي. وقد جدد مؤتمره الوطني السادس، المنعقد في الرباط في آب/أغسطس 2026، هذا التوجه، داعياً إلى التقدم في بناء حزب الطبقة العاملة والجبهة الشعبية للتخلص من التبعية والمخزن وإنجاز مهام التغيير الديمقراطي الشعبي.
ويترأس الحزب حالياً جمال براجع، الذي انتُخب أميناً عاماً خلال المؤتمر الخامس سنة 2022. ويؤكد براجع أن مرجعية الحزب الماركسية-اللينينية تجعل الطبقة العاملة في قلب مشروعه السياسي، وأن قوة الحزب تقاس بقدرته على الحضور والتنظيم في الميدان.
لماذا يقاطع انتخابات 2026؟
لا ينظر النهج الديمقراطي العمالي إلى المقاطعة باعتبارها موقفاً انتخابياً عابراً، بل يربطها برؤيته لطبيعة النظام السياسي وشروط المنافسة الانتخابية.
وكانت اللجنة المركزية للحزب قد قررت مقاطعة انتخابات شتنبر 2026، قائلة إن الاستحقاق يفتقد، في تقديرها، إلى "الحد الأدنى من شروط الديمقراطية". وضمن قائمة مطالبه، تحدث الحزب عن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتغيير الدستور، وإنهاء ما يعتبره تدخلاً للداخلية في صناعة الخرائط الانتخابية والحزبية، وضمان الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام العمومي، فضلاً عن رفض تجريم التشكيك في نتائج الانتخابات أو الدعوة إلى المقاطعة.
وبذلك، فإن "النهج" لا يدعو أنصاره إلى الامتناع عن التصويت فحسب، بل يخوض حملة سياسية للترويج للمقاطعة باعتبارها، وفق تصوره، شكلاً من أشكال الاحتجاج على بنية العملية السياسية نفسها.
ملفات اجتماعية تتجاوز الانتخابات
ويتجاوز بلاغ الحزب الملف الانتخابي إلى عدد من القضايا الاجتماعية والمهنية. فقد أعلن دعمه لنضالات العمال، ومساندته لتحركات المحامين دفاعاً عن استقلالية المهنة وحقوق الدفاع، إلى جانب دعمه للطلبة المطرودين في القنيطرة ولتحركات المعطلين.
كما انتقد ما وصفه بسياسات سلب الأراضي والهدم وتشريد العائلات، وأدان ما قال إنها ممارسات عنصرية تستهدف مهاجرين مغاربة في إسبانيا، ولا سيما من طرف قوى اليمين المتطرف، محملاً الدولة المغربية مسؤولية ما وصفه بالنزوح الجماعي.
وفي المجالين الاجتماعي والخدماتي، وجه الحزب انتقادات حادة إلى سياسات التعليم والصحة. وقال إن استمرار المغرب في احتلال مراتب متأخرة في مؤشرات التعليم يعكس، في تقديره، فشل السياسات المتعاقبة في بناء مدرسة عمومية ذات جودة ومجانية وموحدة.
كما انتقد أوضاع الصحة العمومية، متحدثاً عن صعوبة الولوج إلى العلاج وطول فترات الانتظار ونقص الأطر والتجهيزات والأدوية في عدد من المؤسسات، ومبدياً رفضه لتوسيع دور القطاع الخاص في هذا المجال.
ولفت الحزب أيضاً إلى انتشار التسول والتشرد، خصوصاً بين الأطفال، معتبراً أن هذه الظواهر تعكس اتساع دائرة الفقر والتهميش، وأن معالجتها لا ينبغي أن تقوم على المطاردة والإبعاد والقمع.
مقاطعة خارج المنافسة
وبموقفه هذا، يدخل النهج الديمقراطي العمالي الانتخابات المغربية من موقع مختلف عن غالبية الأحزاب السياسية؛ فهو لا ينافس على المقاعد البرلمانية، بل يحاول تحويل الاستحقاق نفسه إلى موضوع للصراع السياسي من خلال الدعوة إلى المقاطعة.
وتضع هذه الاستراتيجية الحزب أمام معادلة مختلفة: فبدلاً من قياس نجاحه بعدد المقاعد التي يحصل عليها، يراهن على مدى قدرته على إيصال رسالته إلى الناخبين والتأثير في نسبة المشاركة وفي النقاش حول طبيعة العملية الانتخابية.
وفي المقابل، يظل تقييم أثر حملة المقاطعة مرتبطاً بحجم التجاوب الشعبي معها، وهو أمر لا يمكن حسمه قبل ظهور معطيات المشاركة الرسمية بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
ومع اقتراب موعد 23 سبتمبر، يصر الحزب على مواصلة حملته حتى نهاية الفترة الرسمية للدعاية الانتخابية، فيما تستعد الأحزاب المشاركة لخوض الساعات الأخيرة من المنافسة على أصوات الناخبين.
وهكذا، لا يقتصر حضور النهج الديمقراطي العمالي في انتخابات 2026 على كونه حزباً خارج السباق الانتخابي، بل يمثل أيضاً أحد أبرز الأصوات اليسارية التي تدفع باتجاه مقاربة الانتخابات نفسها من زاوية الاحتجاج على النظام السياسي وشروط المشاركة، في وقت تتجه فيه بقية القوى السياسية إلى صناديق الاقتراع بحثاً عن أغلبية برلمانية جديدة.
التعليقات
اضافة تعليق