ما سر حالة القلق التي يعاني منها النظام المصري الآن؟
يبدو أن هناك ما يجري في كواليس أروقة السلطات المصرية الحاكمة للبلاد منذ انقلاب وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي –رئيس النظام الحالي- على الرئيس الراحل محمد مرسي 3 تموز/يوليو 2013، ويشير إلى حالة من الترقب لحدث ما أو القلق من أمر ما.
وعلى الرغم من زيارة ناجحة للرئيس الصيني إلى القاهرة الثلاثاء والأربعاء الماضيين، ومع تحسن باد في علاقات مصر وإيطاليا بعد 10 سنوات من أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، ودعوة السيسي الخميس الماضي، رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لزيارة القاهرة، وتكهنات بزيارة الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون مصر؛ إلا أن هناك العديد من المؤشرات تشير إلى أن الجبهة الداخلية تعيش حالة من التوتر.
ومن تلك المؤشرات: مقال كتبه الأكاديمي المصري المثير للجدل الذي اعتقل في أيلول/سبتمبر 2021 بسبب آرائه وحكم عليه بالسجن مدة عام مع وقف التنفيذ، أيمن منصور ندا، سلط الضوء على حالة الترقب والتوجس السياسي والاقتصادي في مصر في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر المقبلين، مشيرا إلى تلقيه العديد من الدعوات من سفارات أجنبية تقوم باستطلاع رأي النخبة، مستنتجا أن مصر مقبلة على أمر ما مع تفاقم الاحتقان الشعبي.
وتشن السلطات المصرية حملة اعتقالات واسعة طالت مؤخرا مئات المواطنين بمحافظات مختلفة، بينهم رجال ونساء وشباب وأقارب معارضين وحقوقيين وناشطين موجودين بالخارج، وكتاب ومثقفين وأفراد من عائلات معتقلين يقضون أحكاماً قضائية أو يخضعون للحبس الاحتياطي، بحسب رابطة أهالي المعتقلين المصريين "فدا"، وذلك وفي مؤشر ثاني على حالة التوتر داخل النظام.
وهي الحالة التي تزامنت مع تسريبات خرجت من قلب النظام إلى معارضين بالخارج، حول شخص اللواء محمود السيسي، -بالمخابرات العامة- وضباط وأصدقاء مقربين منه وسط حديث عن فساد بأشكال متعددة، ما اعتبره محللون بأنه تجرؤ هو الأول على عائلة السيسي.
تلك التسريبات طالت أيضا، وزير النقل الفريق كامل الوزير، وقيادات الوزارة مع نشر مستندات حول دور نجله عبدالهادي في إسناد المشروعات وحديث عن تربح ومخالفات مالية وإدارية.
وهي التسريبات التي كشفت عن صور بشعة وفق وصف حقوقيين لم تنشر بعد لمجزرة فض اعتصام "رابعة العدوية"، من هاتف أحد الضباط المشاركين في المجزرة، وفق تأكيد ناشرها الناشط مؤمن أشرف، والصحفي إبراهيم المصري.
وهي التسريبات الذي تبعها وتزامن معها الإعلان عن وفاة قيادتين مقربتين من السيسي ومن وزير النقل كامل الوزير خلال أسبوع، إذ توفي أمين رئاسة الجمهورية العقيد محمد يحيى جاد، 15 آب/أغسطس الماضي بشكل مفاجئ، ليثير والده ضابط الجيش السابق الجدل بطريقة نعيه وتأكيده أنه مات على سريره في ظل تسريب بعض الشائعات حول تصفيته وبأن الوفاة لم تكن طبيعية.
لتأتي وفاة مفاجئة ثانية لأحد حراس الفريق كامل الوزير، شريف عبدالمنعم، في 23 آب/أغسطس الماضي، لتزيد الشكوك، حول عمليات تصفية طالته، مع ما أثاره الناشط مؤمن أشرف عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول حصوله على بعض التسريبات من هاتف شخصية في محيط، الوزير.
وفي السياق، تصاعدت بشكل مثير للتساؤلات جرائم تصفية قوات الأمن لجنائيين غير معارضين، في وقائع شهدتها عدة محافظات بالصعيد وحتى العاصمة القاهرة، وبينها ما أعلنته وزارة الداخلية في 3 آب/أغسطس الماضي عن مقتل 5 أشخاص من قبيلة "الحويطات" بمنطقة القطامية بالقاهرة.
وفي الإطار، شنت السلطات وعلى غير العادة حملة أمنية على كبار البلطجية وقادة العالم السفلي والأعمال القذرة في البلاد، ومعاوني السيسي، في ضرب جماعة الإخوان المسلمين عقب الانقلاب العسكري وداعميه خلال الانتخابات الرئاسية، إذ تم القبض على صبري نخنوخ وبعض معاونيه 2 حزيران/يونيو الماضي وإحالته للمحاكمة، ليتبعه توقيف إسماعيل دولار وآخرين في 23 آب/أغسطس الماضي.
وتتصاعد حالة الغضب الشعبي من نظام السيسي، بشكل مطرد مع تتابع القرارات الحكومية برفع أسعار السلع والخدمات وآخرها الكهرباء وتقليص الدعم، وسط دعوات للتظاهر للإطاحة بالنظام الحالي.
وأثارت جروبات تحمل عنوان "قاع الهامور", بعد انتشارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الشهر الماضي، ضجة في الشارع المصري، وسببت وفق مراقبين قلقا شديدا للنظام، مع استخدامها كأداة سياسية لتعبئة الرأي العام تحت ستار التوريات السياسية.
الأمر الذي دفع البرلماني والإعلامي مصطفى بكري، لتحذير المصريين من إطلاق البلطجية والمسجونين لقتلهم ونهبهم والاستيلاء على أملاكهم، حال الخروج والتظاهر ضد النظام، في تكرار للغة السيسي، وتهديده المصريين في تشرين الأول/أكتوبر 2023، بإطلاق البلطجية بمقابل منحهم المخدرات ومبلغ مالي.
ويلفت محللون إلى مؤشر هام يؤكد أن هناك حالة ارتباك واسعة في الخطاب الحكومي، بانتقاله من الهجوم على المعارضة إلى خانة الدفاع عن العديد من الملفات الأمنية وخاصة من وزارة الداخلية، مع تكرار رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، نفي ما أثير عن دعوة لبيع قناة السويس، جاءت على لسان مستشار حكومي رجل الأعمال حسن هيكل، 29 آب/أغسطس الماضي.
ويأتي إعلان المخرج محمد سامي تقديم مسلسلا من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية عن نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين المعتقل منذ العام 2013، خيرت الشاطر، في رمضان المقبل، ليؤكد الحديث عن تحول النظام إلى حالة الدفاع تلك باستمراره في تقديم دراما مسيسة عن قيادات الجماعة رغم اعتقال أغلبهم منذ 13 عاما.
ويلفت البعض إلى جانب آخر قد يكون يثير قلق النظام المصري، وهو حالة من التوتر في علاقات القاهرة وواشنطن، والتي ظهرت فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أفرع "بنك مصر" في الإمارات 28 آب/أغسطس الماضي، بدعوى تمويل الحرس الثوري الإيراني، وكذلك في توسيع الشراكة العسكرية والدفاعية الأمريكية الإثيوبية 20 آب/أغسطس الماضي.
وأعلن حزب "تكنوقراط مصر" المعارض من الخارج، عن تدشين حكومة مصرية موازية في الخارج، في سابقة يجري الإعلان عن تفاصيلها ومكوناتها الشهر الجاري، من إحدى الدول الأوروبية خلال مؤتمر جامع لمعارضين من الداخل والخارج، وذلك في توقيت تتزايد فيه مشاعر الغضب بين أكثر من 120 مليون مصري يرفض أغلبهم استمرار سياسات وحكم السيسي.
وهي الحالة التي تزيد من مخاوف النظام من تغيرات في المواقف الأمريكية تجاه مصر، خاصة بملف السد الإثيوبي، ما تمثل في قول مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق للشؤون الأفريقية، تيبور ناجي، الخميس الماضي، إن على مصر إعادة تقييم نهجها في ملف مياه النيل، والاعتراف بحق إثيوبيا في تنمية مواردها المائية.
4 محددات لقياس الوضع
وفي قراءته للمشهد ولدلالات تلك المؤشرات، وسر حالة القلق التي يعيشها النظام المصري، قال السياسي المصري رضا فهمي: تابعنا كم الحفاوة والحملة الأمنية الواسعة التي صاحبت زيارة الرئيس الصيني لمصر، وهذا يكشف عن حالة الهشاشة التي يعاني منها النظام ومحاولة البحث عن حالة نجاح يقدمها للرأي العام على اعتبار أن النظام قادر على القيام بخطوات وإجراءات من شأنها تحسين الوضع المصري من الداخل.
رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى المصري سابقا، استدرك: ولكن في الحقيقة عندما ننظر كمحللين لمشهد أي بلد هناك 4 محددات رئيسية: هي المحدد الاقتصادي، والوضع المجتمعي، وحالة الاستقرار الداخلي، والعلاقة بالإقليم والمنظومة الدولية.
وحول البعد الاقتصادي، يرى أننا أمام حالة مستعصية من الديون والنظام غير قادر على أن يقدم في هذه الأزمة شيئا اللهم إلا ترحيلها لصالح أزمات أخرى أشد قسوة"، ملمحا إلى "أن النظام عليه استحقاقات عن العام المالي (2026-2027) تصل 62 مليار دولار تشمل ودائع خليجية أصبح جزء منها مهدد بطبيعة الاصطفافات الجديدة في الإقليم.
وأكد أنه ليس هناك أي أفق في الحقيقة لتحسين الوضع الاقتصادي وانعكاساته على حياة المواطن بشكل عام، والمتمثلة في الغلاء الفاحش ومعدلات التضخم وغيرها، فلا توجد مؤشرات تقول إنه قابل للتحسن.
إشكالية مربع السيسي
أما ما يخص الوضع الداخلي، لفت إلى أن النظام لا يضيق بمعارضيه فقط بل يضيق بالمحسوبين عليه أيضا، بمعنى أصح المصنفين بأنهم أبناء الدولة وأنهم ليسوا خارجين عن المنظومة؛ فنرى أن النظام مثلا يضيق بشخصية تعتبر محايدة إن صح التعبير مثل المهندس تامر شيرين شوقي، الذي صدر بحقه حكما بالسجن 3 سنوات بسبب آرائه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وكذلك رأينا التعامل مع رئيس حزب المحافظين المهندس أكمل قرطام، وانتزاع قصرا بناه على نهر النيل، ورأينا أصواتا من داخل النظام وبنت المنظومة نفسها تعيش في حالة من حالات التململ، مثل الكاتب الدكتور عمار علي حسن، وكذلك ما كتبه الأكاديمي أيمن منصور ندا عن الزيارات التي قام بها إلى بعض السفارات، وإلى آخره من المواقف.
فهمي، ذهب للقول: إذا حتى المنظومة الآن منقسمة على نفسها، ما يعني أن المربع حول السيسي، نفسه فيه إشكاليات ضخمة؛ فهناك حديث متداول عن انقسامات داخل المؤسسات، وهذا يظهر مثلا في بعض المنشورات لشخصيات محسوبة على الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عن وزير النقل كامل الوزير، والتي تقول بالطبع إن هناك شيء ما داخل المنظومة نفسها، إلى جانب التسريبات حول الوزير العسكري والفرق المعاون له وحوله والتي طالت نجله، ما يعطي مؤشرا عن ضعف الحماية.
وأضاف: وهي التسريبات التي زادت مؤخرا حول ما يتعلق بمؤسسة الرئاسة وبشخص وعائلة السيسي ذاته، بجانب المعلومات المتداولة في بعض وسائل الإعلام عن التحقق من موبايلات وأجهزة كمبيوتر بعض الشخصيات المتنفذة في مؤسسات مختلفة، وهذا كله يعطي إشارات وانطباعات عن أنه هناك شيء ما يجري خلف الأبواب والذي قد يتكشف بين حين وآخر.
وحول الوضع الداخلي كمحدد ثالث يرى البرلماني المصري السابق، أن أي حديث عن أن هناك حالة استقرار داخلي فهي في الحقيقة معتمدة على القبضة الأمنية، متسائلا: ومنذ متى كانت القبضة الأمنية تُمثل حماية لأي نظام من الأنظمة؟
وأوضح أنه قبل ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، لم يكن حسني مبارك في وضع سيطرة وهيمنة أكثر مما كان خلال انتخابات البرلمان 2010، أي قبل الثورة بشهور وعندها لم تنفع القبضة الأمنية.
وأضاف: وبالتالي فالنظام ليس لديه غير خيار واحد؛ وهو التوسع في استخدام القمع وفرض حالة من أكثر حالات الاستبداد التي يعاني منها الناس، وبالتالي ما يفعله النظام اليوم سواء ما يتعلق بزيارة الرئيس الصيني أو تحسين العلاقة مع إيطاليا أو حتى الكلام عن زيارة مرتقبة لرئيس كوريا الشمالية للقاهرة، ماذا ستصنع مثل تلك تحركات دولية في تغيير أوضاع بتلك الهشاشة وذلك الضعف والمأساوية في بلد بحجم مصر، نتيجة سيطرة الفرد الواحد.
علامة استفهام.. وتردد خارجي
وفي المحدد الرابع، وهو علاقة النظام بالإقليم"، أكد السياسي المصري أن "النظام العالمي يعيش الآن ورطة كبيرة نتيجة لهشاشة هذا النظام وأنه لم يعد لديه أوراقا حقيقية للمساومة والمناورة وللتفاهمات إن صح التعبير؛ فرأينا (اتفاق مكة) بين السعودية وتركيا وباكستان، واستبعاد مصر الدولة المركزية الكبيرة في الإقليم منه بدعوى أن هناك بعض الأمور الفنية.
وتساءل: فلماذا لم تنضم القاهرة للحلف ثم يجري استكمال الأمور الفنية لاحقا؟"، مبينا أنه "هنا علامة استفهام كبيرة"، مؤكدا أن "النظام في حيرة أيذهب إلى الحلف السعودي الباكستاني التركي فيُغضب الإمارات البلد صاحبة الاستثمارات والودائع لديه، أم يفعل العكس ويذهب إلى محور إسرائيل الإمارات فيُغضب السعودية الدائن الأكبر للنظام المصري، ويُغضب معها بلدين كبيرين هما تركيا وباكستان، لذلك وضعه بشكل عام سيء.
فهمي، أشار أيضا إلى نتيجة الحرب (الإسرائيلية-الأمريكية) على إيران، موضحا أن الإدارة الأمريكية لديها مشاكلها الداخلية المسيطرة عليها وداخل أروقة المؤسسة العسكرية الأمريكية، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقبل على انتخابات التجديد النصفي؛ ولذلك فإن أمريكا مشغولة عن أذرعها وحلفائها الذين يتعرضون لتهديد مباشر كدول الخليج، فما بالك بدولة كمصر، فهم فوق منشغل عنها تماما، وبالتالي فإن النظام في حالة يرثى لها.
التعليقات
اضافة تعليق